أبي المعالي القونوي

30

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

معرفة كنهه ، والمعرّفة « 1 » إيّاه والمميّزة « 2 » له عندهم ، فمتعلّق إدراك طائفة يخالف متعلّق « 3 » إدراك الطائفة الأخرى ، كما ذكر ، ولما مرّ بيانه ، فاختلف تعريفهم لذلك الأمر الواحد ، وتحديدهم له ، وتسميتهم إيّاه ، وتعبيرهم عنه ؛ وموجب ذلك ما سبق ذكره ، وكون المدرك به أيضا - وهو الفكر - قوّة جزئيّة من بعض قوى الروح الإنساني ، فلا يمكنه أن يدرك إلّا جزئيّا مثله ؛ لما ثبت عند المحقّقين من أهل اللّه وأهل العقول السليمة أنّ الشيء لا يدرك بما يغائره في الحقيقة ، ولا يؤثّر شيء فيما يضادّه وينافيه من الوجه المضادّ والمنافي ، كما ستقف على أصل ذلك وسرّه عن قريب - إن شاء اللّه تعالى - فتدبّر هذه القواعد وتفهّمها ، تعرف كثيرا من سرّ اختلاف الخلق في اللّه [ من ] أهل الحجاب ، وأكثر أهل الاطّلاع والشهود ، وتعرف أيضا سبب اختلاف الناس في معلوماتهم كائنة ما كانت . ثم نرجع ونقول : ولمّا كانت القوّة الفكريّة صفة من صفات الروح وخاصّة من خواصّه ، أدركت صفة مثلها ومن حيث إنّ القوى الروحانيّة عند المحقّقين لا تغاير الروح صحّ أن نسلّم للناظر أنّه قد عرف حقيقة مّا ، ولكن من الوجه الذي يرتبط بتلك الصفة - التي هي منتهى نظره ومعرفته ومتعلّقهما « 4 » ، - وترتبط الصفة بها ، كما مرّ بيانه . وقد ذهب الرئيس ابن سينا الذي هو أستاذ أهل النظر ومقتداهم عند عثوره على هذا السرّ إمّا من خلف حجاب القوّة النظريّة بصحّة الفطرة ، أو بطريق الذوق كما يومئ إليه في مواضع من كلامه إلى أنّه ليس في قدرة البشر الوقوف على حقائق الأشياء ، بل غاية الإنسان أن يدرك خواصّ الأشياء ولوازمها وعوارضها ، ومثّل في تقرير ذلك أمثلة جليّة محقّقة وبيّن المقصود بيان « 5 » منصف خبير ، وسيّما فيما يرجع إلى معرفة الحقّ جلّ جلاله ، وذلك في أواخر أمره بخلاف المشهور عنه في أوائل كلامه . ولولا التزامي بأنّي لا أنقل في هذا الكتاب كلام أحد - وسيّما أهل الفكر ونقلة التفاسير - لأوردت ذلك الفصل هنا استيفاء للحجّة على المجادلين المنكرين منهم عليهم بلسان مقامهم ؛ ولكن أضربت عنه للالتزام المذكور ، ولأنّ غاية ذلك بيان قصور القوّة الإنسانيّة من حيث فكرها عن إدراك حقائق الأشياء ، وقد سبق

--> ( 1 ) . ب : المعرّفين . ( 2 ) . المميّزين . ( 3 ) . ق : مخالف بتعلق . ( 4 ) . ب : متعلقها . ( 5 ) . ق : بين .